السيد كمال الحيدري
110
المعاد روية قرآنية
إذن هذه الآية بنحو عامّ تثبت لنا هذه حقيقة أنّ الأشياء جميعها قابلة للمحو والإثبات ، وهذا بالنسبة إلى عموم الأشياء ، ولا يختصّ بالإنسان ، بل يشمل غيره ، ولا يختصّ أيضاً بالأجَل ، بل يشمله وغيره . وفى خصوص القضاء الإلهى بالنسبة لأجَل الإنسان يقول تعالى في سورة الأنعام : هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ( الأنعام : 2 ) ، فقد ذكرنا سابقاً بأنّ الآية تشير صراحةً إلى وجود نوعين من التقدير الإلهى أو إلى قضاءَين وأجلين هما : قَضَى أَجَلًا ، وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ . والأجل المسمّى « عنده » هو الأجل الذي لا يقع فيه تغيير ، وهو الأجل المحتوم الذي لا يتغيّر ولا يتبدّل ، وأمّا الثاني ثُمَّ قَضَى أَجَلًا هو الأجل المعلّق غير المحتوم ، وفيه يقع البداء ، لأنّه قابل للتغيّر حيث يتوقّف تحقّقه على تحقّق شرطه ، وهو الموجود في لوح المحو والإثبات القابل للانطباق على الحوادث من جهة استنادها إلى الأسباب الناقصة . وبهذا نصل إلى الحقيقة التي مفادها أنّ الله سبحانه وتعالى كتب على الإنسان الموت ، وهذا من القضاء الذي لا يُردّ ولا يُبدَّل ، ولكن هذا الموت كما هو صريح القرآن وقته متعدّد وليس واحداً . وبطبيعة الحال فإنّ هذا التعدّد في وقت الموت مرتبط بالتقدير الإلهى ، ولإرادة الإنسان واختياره وأفعاله بنحو العموم مدخليّة في تقديم هذا الأجل وتأخيره . وبعبارة فلسفيّة نقول : إنّ الله سبحانه وتعالى فيما يتعلّق بوقت وأجل الإنسان جعل إرادته تابعة لإرادة الإنسان ، أمّا فيما يتعلّق بأصل الموت فإرادة الله تعالى هي الحاكمة ، سواء أراد الإنسان ذلك أو لم يرِد .